سيد قطب

2417

في ظلال القرآن

وهم الذين كانوا يواجهون الدعوة الإسلامية في مكة ، فيصدون الناس عنها ؛ ويواجهون الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين فيمنعونهم من دخول المسجد الحرام . وبهذه المناسبة يتحدث عن الأساس الذي أقيم عليه ذلك المسجد يوم فوض اللّه إبراهيم - عليه السلام - في بنائه ، والأذان في الناس بالحج إليه . ولقد كلف إبراهيم أن يقيم هذا البيت على التوحيد ، وأن ينفي عنه الشرك ، وأن يجعله للناس جميعا ، سواء المقيم فيه والطارئ عليه ، لا يمنع عنه أحد ، ولا يملكه أحد . ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة القلوب للتقوى وذكر اللّه والاتصال به . . وينتهي إلى ضرورة حماية المسجد الحرام من عدوان المعتدين الذين يصدون عنه ويغيرون الأساس الذي قام عليه ؛ وبوعد اللّه للمدافعين بالنصر متى نهضوا بالتكاليف التي تفرضها حماية العقيدة . « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ ، سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ . وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » . . وكان ذلك فعل المشركين من قريش : أن يصدوا الناس عن دين اللّه - وهو سبيله الواصل إليه ، وهو طريقه الذي شرعه للناس ، وهو نهجه الذي اختاره للعباد - وأن يمنعوا المسلمين من الحج والعمرة إلى المسجد الحرام - كما فعلوا عام الحديبية - وهو الذي جعله اللّه للناس منطقة أمان ودار سلام ، وواحة اطمئنان . يستوي فيه المقيم بمكة والطارئ عليها . فهو بيت اللّه الذي يتساوى فيه عباد اللّه ، فلا يملكه أحد منهم ، ولا يمتاز فيه أحد منهم : « سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ » . ولقد كان هذا النهج الذي شرعه اللّه في بيته الحرام سابقا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام . يلقى فيها السلاح ، ويأمن فيها المتخاصمون ، وتحقن فيها الدماء ، ويجد كل أحد فيها مأواه . لا تفضلا من أحد ، ولكن حقا يتساوى فيه الجميع . ولقد اختلفت أقوال الفقهاء في جواز الملكية الفردية لبيوت مكة غير المسكونة بأهلها . وفي جواز كراء هذه البيوت عند من أجاز ملكيتها . . فذهب الشافعي رحمه اللّه - إلى أنها تملك وتورث وتؤجر محتجا بما ثبت من أن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة بأربعة آلاف درهم فجعلها سجنا . وذهب إسحاق بن راهويه - رحمه اللّه - إلى أنها لا تورث ولا تؤجر ، وقال : توفي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأبو بكر وعمر ، وما تدعى رباع مكة ( جمع ربع ) إلا السوائب ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن . وقال عبد الرزاق عن مجاهد عن أبيه عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهم - أنه قال : لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها . وقال أيضا عن ابن جريج : كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم . وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها . فكان أول من بوّب سهيل بن عمرو . فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك ، فقال : أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا ، فأردت أن أتخذ لي بابين يحبسان لي ظهري ( أي ركائبي ) قال : فلك ذلك إذن . وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال : يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء . . وتوسط الإمام أحمد - رحمه اللّه - فقال : تملك وتورث ولا تؤجر . جمعا بين الأدلة . وهكذا سبق الإسلام سبقا بعيدا بإنشاء واحة السلام ، ومنطقة الأمان ، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان ! والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجا في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم : « وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ